أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

170

التوحيد

عليها ، لولا ذلك ما أقدرهم عليها ، فصارت هي لأنفسها تحت قدرته عليها ، فإذا أقدر العبد على ذلك ذهبت عنه القدرة ، فإذا قدرته زالت عنه ، وصار قادرا بقدرة تزول ، ومن ذلك وصفه فهو عبد لا رب ، واللّه الموفق . مع ما كانت الحركة والسكون ليسا بمخالفين في رأي العين لما كانا عليه ، ولا سبيل للناظر إلى التفريق بينهما ، ولولا حقيقة الاشتباه لاحتمل التفريق ، وفي تشابه الفعل لزوم القول فيهما بما له وجبت التسمية في أحدهما ، وفي ذلك تشابه ؛ لأن استواء الأفعال في الشاهد يوجب تشابه الفاعلين ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا إن الذي به عرف أهل التوحيد حدث الأعيان امتناعها عن الخروج من التفريق والاجتماع والتحرك والسكون ، فإذا لم يكن هذه الأحوال في الحقيقة خلقا من اللّه على يدي من جرت عليه يديه لم نقدر أن نثبت جسم وعين يدرك على ما هو عليه بفعل اللّه ؛ إذ الأفعال التي ذكرنا من الأسماء يجوز تحقيقها لا باللّه ، وإن كنا نبصر من به ذلك ، فيصير دليل حدث العالم يقيمه غير اللّه ؛ إذ لا سبيل له إلى إظهار الذي منه من الأحوال التي ذكرنا مما ليست منه ، ولولا تلك الأحوال لم يعرف حدث العالم ، فيبطل طريق العلم به بدليل أقامه هو ، ثم لمّا احتمل جميع الأحوال بغيره لم يثبت بها أنه صانع تلك ، والأجسام لا تعاين إلا بها ، فيبطل أن يكون اللّه تعالى جعل لوحدانيته دليلا يعرف ، ولربوبيته شاهدا يشهد على هذا القول ، وباللّه العصمة والنجاة . وأيضا أن اللّه تعالى قال : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ [ المؤمنون : 91 ] ، ثم قال : إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ [ المؤمنون : 91 ] ، ثم اللّه جل ثناؤه لم يخلق عرضا قط إلا جعل عليه دليلا يعلم أنه خلق ؛ لما كانت الأعراض لما ذكرنا ، ويجوز أن يكون في خلقه خلق يجمع ويفرّق ويحرّك ويسكن ونحن لا نراه ، كما كان فيهم من لا نراه بجوهره وإن كان يرى ، وتلك الأفعال لأنفسها لا ترى ، إنما ترى وتعلم بتغير الأحوال على الجوهر ، فإذا كانت جواهر لا ترى جائز منها مثلها لم يجعل لما خلق علما ولا ذهب به فكيف ناقض به قول المعتزلة قول الملحدة وهم شركاؤهم في هذا الوجه ، فنسأل اللّه النجاة من قول هذا عقباه . على أن القدرة الناقصة هي التي تكون لكل أحد من الخلق ، ولكلّ قدرة على ما ليس لغيره فإذا لم يكن للّه قدرة على ما لعبده ، فإذا قدرته نحو قدرة كل منقوص ، جل اللّه عن صفة المخلوق ، وباللّه التوفيق . وأيضا أنه لو جاز خروج شيء هو تحت القدرة عن أن يكون للّه عليه قدرة ، بل ليس هو شيئا واحدا ، بل لعلّه أكثر من جميع الخلق ، كيف نؤمن بوعده ووعيده ، وكيف يطمئن السامع إلى ما وعده من البعث أن يكون ، وما أخبر أنه لو شاء لخلق مثل الذي خلق ، وهو لا يقدر على فعل بعوض ، فضلا عن فعل هو أقوى منه ، ولا قوة إلّا باللّه .